اقتصاد الوكالة التونسية للتقييم والاعتماد تقود إصلاحًا جديدًا لمنظومة البحث العلمي: نحو جودة مستدامة وأثر تنموي ملموس
تتجه تونس نحو إرساء مقاربة متجددة لتقييم البحث العلمي، تقوم على تعزيز الجودة والشفافية، وتثمين المخرجات العلمية، وربطها بأولويات التنمية الوطنية، وذلك من خلال مسار تشاركي تقوده الوكالة التونسية للتقييم والاعتماد في التعليم العالي والبحث العلمي (ATEA)، بهدف تطوير الأطر المرجعية الوطنية لتقييم أنشطة وهياكل البحث العلمي.
وفي هذا الإطار، نظّمت الوكالة مؤخرا بالعاصمة تونس، المحطة الثانية والختامية من سلسلة ورشات العمل المخصصة لاستكمال البناء التشاركي للمعايير المرجعية الجديدة لتقييم البحث العلمي، وذلك ضمن برنامج دعم مؤسساتي ممول من سفارة فرنسا بتونس، وبالتنسيق مع المعهد الفرنسي.
وشهدت هذه الورشة مشاركة أكثر من خمسين خبيرًا ومسؤولًا وممثلًا عن مختلف مكونات منظومة البحث والابتكار، من بينهم ممثلو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ومديرو مراكز ومعاهد البحث الوطنية، وممثلو الهياكل الداعمة للابتكار والأقطاب التكنولوجية وحاضنات الأعمال، إلى جانب فاعلين اقتصاديين وممثلين عن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ومنظمة الأعراف «كونكت»، فضلًا عن خبراء في منظومة المؤسسات الناشئة ورواد الأعمال ومكونات المجتمع المدني.
وتميزت هذه المحطة بتوسيع دائرة الحوار حول مستقبل البحث العلمي في تونس، من خلال الانتقال من التركيز على المؤشرات الأكاديمية والبيبليومترية، التي شكلت محور الورشة الأولى بمشاركة نواب رؤساء الجامعات، إلى بحث قدرة المعايير الجديدة على قياس الأثر الفعلي للبحوث العلمية في محيطها الاقتصادي والاجتماعي، ومدى مساهمتها في دعم السياسات العمومية وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. وفي هذا السياق، قدمت البروفيسورة ماريلينا مانياتشي (Marilena Maniaci)، الخبيرة الدولية في حوكمة وضمان جودة التعليم العالي والعضو السابق في مجلس إدارة الوكالة الوطنية الإيطالية لتقييم الجامعات ومعاهد البحوث (ANVUR) والجمعية الأوروبية لضمان الجودة (ENQA)، عرضًا حول المرجعيات الدولية التي يستند إليها المشروع الوطني لتطوير منظومة تقييم البحث العلمي.
وأوضحت أن فريق الخبراء الدوليين والمحليين اعتمد مقاربة المقارنة المرجعية الدولية، من خلال الاطلاع على التجارب والممارسات المعتمدة في الفضاء الأوروبي وعلى المستوى العالمي، والعمل على تكييفها وتطويرها بما يتلاءم مع خصوصيات المنظومة الوطنية واحتياجاتها.
وأكدت أن الهدف لا يتمثل في إرساء أدوات رقابية أو إجراءات إدارية إضافية، بل في اعتماد منهجية تطويرية تقوم على التحسين المستمر، ومرافقة هياكل البحث في تحديد نقاط قوتها ومجالات تطويرها، وتعزيز أدائها وتنافسيتها العلمية وإشعاعها على المستوى الدولي.
من جهته، تناول علي عبد الله، الباحث والمختص في الشؤون الاقتصادية بمعهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بتونس، أبرز التحديات العملية التي تواجه الباحثين والهياكل البحثية، مشددًا على ضرورة أن تكون الأطر المرجعية الجديدة أداة مرنة وفعالة لدعم العمل العلمي وتيسير التواصل بين مجتمع الباحثين وسلطة الإشراف ومراكز القرار، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية التي قد تعطل نسق الإنتاج العلمي.
ودعا إلى إرساء رؤية وطنية شاملة ومستدامة لمأسسة البحث العلمي وربطه بالاستراتيجيات التنموية للدولة، من خلال تطوير آليات التمويل والتحفيز والتشريع، بما يوفر الظروف الملائمة للإنتاج المعرفي والابتكار. كما أكد أهمية مراعاة خصوصيات مختلف التخصصات عند صياغة معايير التقييم، بالنظر إلى اختلاف طبيعة البحوث التكنولوجية والتطبيقية الموجهة إلى القطاع الصناعي عن البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، سواء من حيث المناهج المعتمدة أو المخرجات أو أشكال التأثير.
وسلط المتدخل الضوء كذلك على الصعوبات المادية واللوجستية التي تواجه المختبرات البحثية، خاصة ما يتعلق بالحصول على التمويلات والمعدات العلمية بالعملة الأجنبية وتعقيدات المشاركة في المؤتمرات الدولية، داعيًا إلى تطوير النصوص القانونية المنظمة للشراكة بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية، بما يعزز نقل التكنولوجيا وتثمين نتائج البحوث ويدعم بناء منظومة وطنية متكاملة للابتكار.
وفي تقييمه لمسار الإصلاح المؤسساتي، اعتبر الأستاذ الدكتور عبد اللطيف بودبوس، الرئيس السابق للجنة الوطنية لتقييم أنشطة البحث العلمي (CNEAR)، أن هذه الورشات التشاركية تمثل محطة مهمة في تحديث منظومة تقييم البحث العلمي والارتقاء بها وفق المعايير الدولية المعاصرة.
وأوضح أن الأطر المرجعية الجاري إعدادها تتسم بالشمولية، إذ تشمل تقييم المختبرات ووحدات ومراكز البحث والمؤسسات الجامعية ومدارس الدكتوراه، بالاعتماد على مؤشرات كمية ونوعية تراعي مختلف أبعاد الأداء العلمي، من بينها المنشورات العلمية ذات الأثر، وبراءات الاختراع، والشراكات الوطنية والدولية.
كما أبرز أهمية التحول المؤسساتي الذي أفرزه إحداث الوكالة التونسية للتقييم والاعتماد، مشيرًا إلى ما يتيحه هذا الإطار من فرص لتعزيز استقلالية التقييم وحياده العلمي. وأضاف أن اعتماد معايير واضحة ومنهجيات معلنة من شأنه أن يرسخ ثقافة الشفافية داخل الوسط الجامعي، ويمكّن المؤسسات والهياكل البحثية من فهم متطلبات التقييم والعمل على تطوير أدائها بصورة مستمرة.
وتعكس هذه الورشة التوجه نحو بناء منظومة وطنية لتقييم البحث العلمي لا تكتفي بقياس حجم الإنتاج الأكاديمي، بل تسعى أيضًا إلى تقدير قيمته العلمية ومدى تأثيره في المجتمع والاقتصاد، وتعزيز التكامل بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية.
كما يبرز هذا المسار أهمية إشراك مختلف الأطراف المعنية في صياغة المعايير الوطنية، بما يضمن ملاءمتها لواقع البحث العلمي في تونس واستجابتها للتحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.
ومن المنتظر أن يشكل استكمال الأطر المرجعية الوطنية الجديدة خطوة مهمة في تطوير حوكمة البحث العلمي وترسيخ ثقافة الجودة والتحسين المستمر، بما يدعم تنافسية المؤسسات البحثية التونسية، ويعزز قدرتها على الابتكار ونقل التكنولوجيا والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة.
عيادي